قبل عقدٍ من الزمن، طرح اختصاصيو علم الأحياء والتاريخ الطبيعي من مختلِف أرجاء العالم مجموعةً من الأهداف الطموحة تتعلق بإعداد قوائم للتنوع البيولوجي على سطح كوكبنا الأرضي، وقالوا إنه ليس بمقدورك -في نهاية المطاف- إنقاذ كائناتٍ لا علم لك بوجودها، بل إن بعض التقديرات المرتفعة تشير إلى أن العلم لم يتمكن سوى من حصر وتوصيف ربع الأنواع الحية الموجودة على كوكب الأرض، وهو الأمر الذي يُثير المخاوف بشأن الصورة الأشمل في ظل تزايُد معدلات انقراض الأنواع.
ومع تنامي هذه النوعية من المشروعات شيئًا فشيئًا بموازاة الجهود الحثيثة التي تُبذَل في مجال جمع الأنواع وتوصيفها، ظهر نهجٌ جديدٌ يهدف إلى تسجيل الحمض النووي للأنواع غير المعروفة على كوكب الأرض لأغراض الفهرسة والتصنيف، وذلك من خلال سحب عينات الحمض النووي من الهواء.
يتضمن النهج المذكور تحديد تسلسل للمادة الجينية في الخلايا التي تتناثر من الكائنات الحية، أو ما يُعرَف بالحمض النووي البيئي (eDNA) لتلك الكائنات، ويحقق هذا النهج فائدةً كبيرةً في جمع عينات من الحشرات، كما أنه أقل تكلفةً وأسرع من الطرق التقليدية المستخدمة في جمع العينات، ومن الممكن عن طريقه جمع بياناتٍ عن الكثير من الأنواع في آنٍ واحد دون إلحاق الضرر بها.
عُرض ملصقٌ جديد هذا الأسبوع في مؤتمر «الإيكولوجيا عبر الحدود»، وقد سلَّط الضوء على جهود إثبات المفهوم التي تهدف إلى توضيح آلية عمل النهج المشار إليه، في أثناء عمله زميلًا لما بعد الدكتوراة في جامعة لوند بالسويد، جمع فابيان روجر عيناتٍ محمولةً جوًّا باستخدام أجهزة الإعصار السائل المتاحة تجاريًّا، وهذه الأجهزة تدفع الهواء في دوامةٍ إلى داخل أنبوب مملوء بالسائل، ثمَّ تحتجز شظايا الحمض النووي المحمولة سابقاً في الهواء، جمع روجر عيناتٍ من الهواء في ثلاثة مواقع جنوبي السويد، كما استخدم أيضًا أساليب تقليدية في معاينة الحشرات لغرض المقارنة.
استخلص روجر وزملاؤه، في الخطوة التالية، شظايا الحمض النووي من العينات؛ بهدف تكبيرها وتحديد تسلسلها لاحقًا، اعتمد الفريق على «الترميز الشمولي» للحمض النووي metabarcoding من أجل التعرُّف على الأنواع، تُتيح هذه التقنية إمكانية الرصد المتزامن لمجموعاتٍ من الأنواع من نطاقاتٍ قصيرة للجينات الموجودة في عينة واحدة، ولم يكن أيٌّ من الأنواع التي جرى التعرف عليها جديدًا على العلماء، كان الجهد البحثي الجديد يهدف إلى إثبات أنه سيكون ممكنًا حصر أنواع الحشرات من خلال تحليل الحمض النووي الذي استُخلص من عينات الهواء.
وجد الفريق آثارًا للحمض النووي تخص 85 نوعًا، من بينها الفراشات، والخنافس، والنمل، والذباب، وغيرها من أقرب أقربائها، كما عثروا على 9 أنواع من الضفادع والطيور والفقاريات الأخرى، تداخلت بعض الاكتشافات مع نتائج المسح التقليدي، غير أن الطريقة التي استُخدم فيها الحمض النووي البيئي عجزت عن التعرف على أنواع أخرى، على سبيل المثال، عُثِر على 48 نوعًا من حشرات العثة في عيناتٍ محتجزة، لكن الطريقة التي استُخدمت فيها العينات التي جُمعت من الهواء نجحت في التعرف على 9 أنواعٍ فقط، ولم يخضع هذا العمل البحثي لمراجعة الأقران بعد.
يوضح روجر -الذي يعمل حاليًّا في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في زيوريخ- أن رصده للنظم البيئية المائية بحثًا عن أنواع جديدة هو الذي ألهمه فكرة جمع العينات من الحمض النووي البيئي في الهواء، يقول: “لقد ذُهلت حين أدركت كم كان من الصعب الحصول على بيانات جيدة عن المجموعات السكانية؛ ففي ظل نتائج الأبحاث الحديثة التي تُظهر انخفاضًا بنسبة 70% في الكتلة الحيوية للحشرات، يتضح أن لدينا نقصًا كبير في البيانات”، كان روجر يعلم أن بعض علماء الحشرات كانوا يعكفون بالفعل على رصد الحمض النووي البيئي للحشرات في التربة، يرى روجر أنه إذا وصل الحمض النووي للحشرة في بقعةٍ ما إلى الأرض الجافة، فمن الوارد أن يكون قد بدأ في مكانٍ آخر، مثل الهواء الموجود أعلى هذه البقعة.
وفقًا لتقديرات الباحثين، تمكَّن العلماء رسميًّا من حصر وتوصيف مليون نوع فقط من بين 5.5 ملايين نوعٍ من الحشرات، ولذا فإن اتجاه الأنظار إلى الهواء لرصد التنوع البيولوجي للأنواع يُعد تطورًا مثيرًا يمكنه أن يُسرع من وتيرة جهود الحفظ، على حد قول كريستين بومان، وهي باحثة في علم الجينوم التطوري بجامعة كوبنهاجن في الدنمارك، لم تشارك بومان في البحث الجديد، ولكنها أجرت مؤخرًا دراساتٍ حول رصد الحمض النووي البيئي في الهواء لدى الثدييات، والطيور، والزواحف، والبرمائيات في حديقة حيوان كوبنهاجن.
تقول بومان: “حان الوقت للحمض النووي البيئي كي يصبح بمنزلة الركيزة الجديدة”، وتضيف أنها أجرت أبحاثها على الحمض النووي البيئي المُستخلَص من عينات البراز، واتجهت أنظار باحثين آخرين صوب التربة والماء، بل حتى الزهور لاكتشاف أنواع المُلقِّحات التي هبطت هناك، وتوضح بومان قائلةً: “لقد بُذل الكثير من أجل تطوير التقنيات والتأكد من أنها جديرة بالثقة، لذا من المدهش حقيقةً رؤية النتائج، لماذا لم نفكر في هذا من قبل؟”.
تضيف بومان أنه فيما يتعلق بمراقبة الحشرات، فمن المهم للغاية إيجاد طريقة لا تتطلب قتل الكائنات التي يُراد تقييمها، غالبًا ما تنطوي بعض الطرق المستخدمة في حصر الأنواع استنادًا إلى الحمض النووي على اصطياد الأنواع وسحقها لخلق مزيج من الحشرات.
توضح إليزابيث كلير -اختصاصية الإيكولوجيا الجزيئية بجامعة يورك في كندا، والتي أجرت دراسات مماثلة تعتمد على جمع عيناتٍ من الهواء- أن العديد من المسائل المتعلقة بالحمض النووي البيئي والهواء لا تزال غامضة؛ فليس من الواضح، مثلًا، كم من الوقت يمكث الحمض النووي لحشرة واحدة في الهواء بعد أن تطير بعيدًا؟ هل يرصد الباحثون زيارةً حديثةً لتلك الحشرة أم زيارةً مر عليها شهور؟ توصلت الدراسات إلى أن الحمض النووي ظل على حاله في التربة الصقيعية لمدة تصل إلى 10 آلاف سنة بعد فناء تلك الكائنات، إلا أنه في ظروفٍ أخرى، مثل التعرض للأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس، قد يتحلل الحمض النووي سريعًا.
تقول كلير إنه في البيئات المائية مثل الأنهار والبحيرات، يمكن أن يَعْلق الحمض النووي بالرواسب ثم يُستثار في وقتٍ لاحق، وتضيف: “أتخيل أن شيئًا مشابهًا يمكن أن يحدث على الأرض، حيث يكون الحمض النووي موجودًا في التربة ثم تُثار التربة لأي سبب فيتناثر الحمض فجأةً مرةً أخرى على هيئة هباءٍ جوي، لذلك لا يمكننا أن نعرف حقًّا ما إذا كان تاريخ الحمض النووي البيئي مجرد دقائق، أو ساعات، أو حتى عقود”.
ثمة سؤالٌ آخر بالغ الأهمية يتعلق بالوفرة، هل يدل كِبر حجم الإشارة لحمضٍ نووي يخص نوعًا معينًا على وجود عددٍ أكبر من أفراد ذلك النوع؟ توضح كلير أن هذا أحد أهم الموضوعات في الأوساط البحثية المعنية بالحمض النووي البيئي، وتجيب عن السؤال بقولها: «الإجابة ببساطة لا، إذ ليس بمقدورك أن تعرف مدى الوفرة إلا إذا توافرت لديك ظروفٌ بالغة الإحكام”، كما تُبيِّن كلير أن ثمة أدلة في البيئات المائية تُشير إلى أن كمية الحمض النووي للنوع تكون مرتبطةً بوجوده بأعداد وفيرة في البيئة، جنبًا إلى جنب مع المسافة التي يقطعها إلى مركز جمع العينات، كما قد يزداد حجم الإشارة عندما تكون الأنواع أقرب إلى جهاز سحب العينات،
قد تكشف تلك الإشارة المنبعثة من الحمض النووي البيئي عن وجود فراشة واحدة بجوار جهاز سحب العينات من الهواء مباشرةً أو مجموعة كبيرة متنوعة من حرشفيات الأجنحة على مسافةٍ أبعد بكثير، تقول كلير إنه عندما يموت كائنٌ ما، فإن مقدار المادة الوراثية التي تنسلخ عن الجسم المتحلل عادةً ما تكون أكبر مما كان يحدث وقتما كان ذلك الكائن على قيد الحياة، وتضيف: “لا نعلم إجابةً لأيٍّ من تلك الأسئلة”.
بمجرد التوصل إلى إجاباتها، يتصور روجر عالمًا من المراقبة السلبية والآنية للحشرات، في النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي وكذلك في الحقول الزراعية، حيث يمكن تنبيه المزارعين إلى المؤشرات الأولية لغزو آفة من الآفات.
يُشير براين براون -الذي يرأس متحف التاريخ الطبيعي بقسم علم الحشرات في مقاطعة لوس أنجلوس- إلى أن الحمض النووي البيئي في الهواء يمكن أن يُثمر عن فوائد بحثية هائلة، يطوف براون حول العالم مستخدمًا نُهُجًا تقليدية في جمع عينات من الحشرات وإنشاء مكتبات مرجعية للتصنيف، مادةٌ من هذا النوع ستؤدي دورًا بالغ الأهمية في فهم شذراتٍ جينية من أجهزة سحب عينات الحمض النووي البيئي، يقول براون: “لا أعتقد أن ذلك العمل سيحل محل ما أفعله، لكنه يبدو مدهشًا؛ فهو ميسور التكلفة، وبإمكانه تقليص الجهد المبذول في تحديد تسلسل الحمض النووي في الهواء، إنه لأمرٌ رائعٌ أن نعتقد أننا نعيش ونتحرك عبر مصفوفة من الحساء البيولوجي”.




